كان رجلاً إستثنائيًا، فارسًا مُنذُ أن أشرقت عيناهُ على هذهِ الدُنيا، لم يكن كأيَّ طفلٍ في جيلِه؛ كان رجلاً مُنذُ صِغره، مُهابًا بين الجموع، يحمِلُ أَنَفة البدوّي وشموخِة، رصينَ الفكر، صويبَ الرأي، مُعتدًا بنفسِهِ وبنشأتِه، فخورًا في كفاحِه، لم تكُن رحلتُه في هذه الحياة سهلة؛ لكنّه أستطاع أن يصنعَ لهُ طريقًا خاصًا بهِ فقط، طريقًا مهدَّ تعرجاتِه بعزيمةٍ وكفاح، وأسّس أركانهُ على القيم والأخلاق، وظللّه بالحُبِ والأمان؛ مُنذُ فتوّتهِ كان الحُضن الدافئ المُتسِع لعائلته، فكان لهم ملاذًا آمنًا، وسندًا وقوّة؛ شقَّ طريقة الصعب في هذهِ الحياة ما بين جريًا ومسير، وتعثرٌ ونهوض، لم يكُن يركُنُ للراحة يومًا، يمقُت الجلوسَ مغبّة الإعتياد، حملنا على كتِفه مُنذُ أن كُنّا صغارًا، ولم يشكو يومًا ثُقلَ حقائبِ أحلامِنا وتطلعاتِنا وأمانينا، كان قدوةً بأفعالِه قبل أن يكون موّجِهًا ومُربيًّا، معهُ تعلّمتُ أن العِلمَ أساسُ المرء، وأن الفرد بإستقامتِه وبأخلاقِه وبعقلِه المُتزّن يصنعُ قيمته، وأن الإنسانَ سعيٌ وأثر، والسعيد من حسُنَ عملُه في حياتِه، وطابَ أثرُهُ بعد رحيله.
لم تكُن الحياةُ مُمهدّة له، بل كانت خصمًا غليظًا جابههُ بشجاعة؛ وحتى في اللحظة التي كان فيها ينظُرُ للبعيد نحو البدايات؛ كان يعلمُ أن الرحلة لم تكُن سهلة، وأنها أستغرقت مِنهُ عمرًا كاملاً في المسيرِ أملاً في الوصول، عُمرًا أمتلئ بالبناء، عُمرًا فَقد فيِه أثناء الرِحلة رُفقاء دربٍ وأهلٌ وأصحاب، وصحّة، وأشياء أُخرى لا تُنال بالسعي، ولا تُشترى بالمال؛ ولكنّه مع كُل هذا وبخطواتِه المُمتلِئة بالعزيمة واصلَ مسيرَتهُ في رحلة الحياة، حتى في تلك اللحظة التي أختارها لهُ القدر أن يترجّل فيها عن جوادِه؛ أختار لهُ اللحظة التي كان فيها مُثمِرًا مِعطاءً حتى في لحظاتِه الأخيرة؛ ومازالت أعمِدةُ بنائهِ حتى بعد رحيلهِ قائمةً مُمتدّةَ الأثر لا تنقطِع.
لم تكن هذهِ اللحظة سهلة، كانت علامة فارِقة في تاريخ هذا العام، ولحظةً ثقيلةً بِثُقلِ الوجع فيها، كان
عامًا سرمدّيًا، ويومًا بِثقُلِ سنين، عامًا ترك في أرواحِنا فجوةً لا يردُمها الزمن، عامًا حَملَ معهُ حُزنًا لا يُنسى، وألمًا لا يُشفى، وذكريات ثقيلة لا تُمحى، عامًا غفونا فيه على أملِ لقائِه، وأستيقضنا فيهِ على فاجعةِ فقدِه، عامًا كُنّا نظُن أنهُ باقٍ فيه، ونسينا أن الغيابَ الأبدّي حين يأتي لا يطرُقُ الأبواب، ولا يستأذِنُ الأهلَ والأحباب، يأتي كزائرٍ ثقيلٍ لا يُرى، ثُمَّ يرحلُ برفقتِهِم، تاركًا لنا بذلك فراغًا لايملؤهُ الزمن، وغائبًا لا تعّوِضُهُ الأيام.
فيا غائبًا حينَ غادرنا لم يُغلِقَ الباب خلفَه ..
يا غائبًا كان رحيلُهُ هادئًا ساكنًا بعيدًا للحد الذي لا تطالَهُ يدي ولا عيناي ..
ياغائًبا علّمني رحيلُه أنَّ كُلَّ الخسارات دونَ فقدِه هيّنه ..
وأن الحياة وإن إستمرت من بعدِه؛ إستمرت عرجاء متعّثرة لا تستقيم ..
يا غائبًا أيقنتُ بعدُه أن من يعيش داخِلُك لا يُمكن أن يُنسى ..
وأن من يبقى فيكَ حيًّا لا ينتزِعَهُ النسيان ..
لم ولن يُنسى من يعيش معكَ .. وفي أعماقِ روحِك .
.
فاللهم إني أُشهِدُك أنّه كان لي خيرَ الأب، وخيرَ القدوة وخيرَ المُربّي، وأُشهِدُك أنه إستوصى بي خيرًا، وقوّمني بلين ورحمة، وأحسنَ تربيتي ونشأتي، ولم أشهدَهُ إلا رجلاً صالحًا صادقًا شريفًا، مُحافظًا على صلواتِك، قائمًا بواجباتِك، مُتبّعًا لِسُننِ نبيّك، ماتركَ جنازةً إلاّ تبِعَها، ولا مريضًا إلا عَاده؛ بارًا بوالديِه، واصِلاً لِرَحِمه، عطوفًا على الصغير، رحيمًا بالكبير؛ مؤنِسًا للغريب، سندًا للضعيف، جابِرًا للخواطِر، مُنفقًا في السرّاءِ والضراء، فاللهم جازِهِ بالإحسانِ إحسانًا وبالسيئاتِ عفوًا وغُفرانا؛ وعسى اللَّه أن يكتُبَ لنا لقاءً في فردوسِهِ الأعلى.
أستودِعُ اللَّه ذلك الفارِسُ المُهاب ..
أبي الشامِخُ المُكافِحُ العظيم ..
الذي عِشتُ في كنِفه حياةً ظِلالُها وارِفة ..
الكاتبه إيمان البلوي

(
(
