ليس كل رحيل يُسمى غيابًا… فبعض الرجال إذا رحلوا بدأت حقيقتهم تتجسّد في القلوب أكثر.
أيُّ رجلٍ هذا الذي يترك في القلوب هذا الاتساع؟
وأيُّ أثر هذا الذي لا ينطفئ رغم الفقد؟
كان ابتسامة لا تُجامل بل تُطمئن
وسعة صدرٍ لا تُصطنع بل تُولد مع النُّبل
وكان صديقًا لا يُختبر وفاؤه لأنه ثابت كاليقين.
طراد لم يكن رجل موقفٍ عابر
بل كان موقفًا بحد ذاته…
إذا حضر حضر معه الصفاء
وإذا غاب ترك فراغًا لا يُملأ
ليس لأن غيره لا يُجيد
بل لأن بعض الأرواح لا تُشبهها الأرواح.
كان الكرم عنده طبعًا لا تكلّفًا
والدين سلوكًا لا ادّعاء
والأخلاق قرارًا لا ظرفًا
وكان في الناس قريبًا…
وفي المعنى بعيدًا أسمى وأنقى.
رحل…
لكنّه لم يأخذ معه شيئًا منّا
بل ترك فينا ما لا يُؤخذ.
ترك ابتسامته معيارًا للطمأنينة
وترك طيبته درسًا لا يُنسى
وترك صدقه ميزانًا نزن به الرجال
وترك أثره… كأنه يقول:
“هكذا يكون العبور… لا ضجيج، لكن خلود.”
يا طراد
لم تكن ذكرى… لتُستدعى
بل كنت حياةً… لن تُغادر
نفتقدك لأنك كنت صادقًا
ونحزن لأن النبل حين يرحل… يُوجع
علمتنا أن الرحيل ليس فراغًا
وأن الغياب أحيانًا أبلغ من الحضور
وأن بعض القلوب الكبيرة… لا تُمحى بل تزداد إشراقًا مع مرور الزمن
كما يزداد النهر قوةً حين يبتعد عن مصدره
وكما يزداد الصديق عظمة حين يختبره الغياب.
نعلم اليوم أن حضورك كان دائمًا أعمق من كلماتنا
أهدأ من أصواتنا
وأصدق من كل ما نحاول التعبير عنه
فكل ابتسامة زرعتها وكل كلمة صادقة قلتها
ستبقى لنا نورًا وهدى
وجسرًا بين الأمس واليوم
بين الغياب والخلود.
يا طراد
رحلت الجسد… وبقيت الروح
بقيت القيم بقيت المبادئ بقيت الإنسانية التي تذكّرنا دومًا بالخير،
وبقيت الذاكرة التي لن يزول نورها مهما طال الزمن.
رحمك الله رحمةً تُشبه نقاءك،
وأسكنك جنّاتٍ تليق بقلبك،
وجعل كل ابتسامة زرعتها… نورًا يسبقك إلى الجنة،
ويبقى أثرها فينا خالدًا… كما كنت أنت خالدًا في قلوبنا
بفكر وقلب اخوك / ناصر عاتق المعارك

(
(
